الاثنين، 9 فبراير 2026

أهل الزوج والزوجة

 


 

مِن نِعَمِ الله على عباده الزواج، وهو سببٌ في تكوين أسرة متماسكة وصالحة، تحرص على تربية الأبناء والبنات، والعناية بهم وتعليمهم، وبناء الأخلاق فيهم، والإسلامُ حَثَّ الأولادَ على بِرِّ الوالدين وقَرَنَ طاعتهما بطاعة الله؛ بل وجعل إحسان المرء لوالديه من أعلى درجات الإحسان التي بها الأجر والسَّداد والتوفيق في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23].

 

إن الزواج ليس علاقةً بين رجلٍ وامرأةٍ فقط؛ وإنما هو علاقة بين أُسَر متصاهرة؛ بين أسرتي الزوج والزوجة، فلا يجوز لهما أن ينفصلا عن أسرتيهما بعد الزواج، أو يكون أحدهما سببًا في انفصال الآخر عن أسرته، وإنَّ من أبسط حقوق الأولاد أن يعرفوا أقاربَهم ويبرُّوهم وينعموا بحنان الأجداد والجدَّات، والأعمام والعمَّات، والأخوال والخالات، وأولادهم.

 

من الطبيعي أن الإنسان إذا أحَبَّ شخصًا، حرص على عدم مضايقته أو مضايقة أهل وأصدقاء هذا الشخص، فكيف إذا كان هذا الشخص هو زوجك أو زوجتك؟! لذا كان واجبًا على الزوجين التنبُّهُ لبعض الاعتبارات الخاصة بأهلهما، ومنها:

 

 أن الإحسان إلى أسرة شريك الحياة من أقصر الطُّرُق إلى قلبه، وأن فيه إعانة له على بِرِّ والديه، ومِنْ ثَمَّ رِضا الله سبحانه.

 

 الاحترام والتقدير لهم بالقول والفعل، والحرص على زيارتهم وصِلة أرحامِهم.

 

 عدم التدخُّل في مشاكل أسرة الشريك الآخر، والوقوف على الحياد دائمًا، وإذا حدثت مشكلة بين أسرة الزوج والزوجة، عليهما الابتعاد وعدم خسارة شريك الحياة، أو شحنه سلبيًّا ضد أسرته، أو التلفُّظ بما لا يليق تجاه أسرته.

 

 عدم انتقاد أفعال أسرة الشريك الآخر، سواء في طريقة التعامل أو في مواقف أخرى في الحياة اليومية بينهم؛ ولكن إذا كان لديه بعض الملاحظات، فمن الممكن التحدُّث فيها بصراحة شديدة دون انتقاد.

 

 الحذر من التطفُّل والفضول، وعدم التدخُّل في خصوصياتهم وأسرارهم، أو نشرها بين الأصدقاء والأهل.

 

 تربية الأولاد على حُبِّ أقاربهم، والتواصُل معهم، والفخر بانتسابهم لهم.

 

 تجنُّب الصِّدام معهم، خاصة مع الوالدين؛ لأنه سيُسبِّب احتقانًا كبيرًا للزوج والزوجة.

 

 وضع حدود للتعامل معهم، ومقدار تدخُّلهم في حياتكم الخاصة، مثل: الزيارات واللقاءات والأعمال المنزلية وتربية الأولاد.

 

 تقبُّل اختلاف الطباع والتصرُّفات بين الأُسَر، ما دام لا يوجد ضرر ولا تقليل منكما، فالبشر جميعهم مختلفون، وعدم أخذ الأمور بشكل شخصي.

 

 إعانة الشريك الآخر على بِرِّ والديه وأنها طاعة لله، وعدم منع الطرف الآخر من زيارتهما، فقطيعة الرَّحِم من كبائر الذنوب وأقبح المنكرات.

 

 تحسين صورة الشريك الآخر في عيون أسرتهما، وإذابة الخلافات بينهما.

 

 تفقُّد أحوالهم والإحسان إليهم، والوقوف إلى جانبهم في الأزمات التي قد يمرُّون بها ومحاولة مساعدتهم والسؤال عنهم في أغلب الأوقات.

 

يا إخواني ويا أخوتي، بعض الرجال والنساء يعتقدون أن الإحسان إلى أهل الشريك الآخر يُعَدُّ إهانةً لهما واستعبادًا مرفوضًا، وأنَّ ودَّهما لهم سيُفسَّر على أنه ضعف شخصية وخضوع لهم، ونسَوا أن الإحسان إليهم طاعة لله، فيه أجر وبركة من الله عليهما وعلى أولادهما.

 

أسأل الله أن يُصلِح الشباب والفتيات، وأن يجمع بين قلوب المتزوجين والمتزوجات على طاعة الله والحُبِّ والتواصُل السليم، وأن يخرج من تحت أيديهم من يعبُد الله على الحقِّ، وأن يجعل أولادَهم لَبِناتِ خيرٍ على المجتمع والوطن، وصلى الله على سيِّدنا محمد.

اختيار الشريك المناسب

 


إن الزواج الناجح يؤمِّن الحب والاستقرار للمرأة والرجل؛ ولذلك يعتبر قرار الموافقة على الزواج أمرًا هامًّا، ويتطلب الكثير من الحذر؛ لأن اختيار الشريك غير المناسب يجلب التعاسة والحزن، أما اختيار الشريك المناسب، فيجلب السعادة والهناء للحياة الزوجية.

 

قال تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾ [النور: 32]، والصلاح هنا يشمل صلاح الظاهر والباطن، صلاح الدين والأخلاق، صلاح السلوك والمعاملات.

 

لذا كان على الزوجين قبل الموافقة التحري والدقة في السؤال عن الطرف الآخر، وعن أسرته وأخلاقه، ولا يكتفى بظاهر شكله أو وظيفته.

 

تقول إحدى الفتيات: "منذ اليوم الأول من الزواج أعاني من تأخره وسهره خارج المنزل، ومع مرور الأيام بدأت سجلات زوجي تُفتَح في وجهي؛ فاكتشفت أنه لا يصلي إلا قليلًا، ويكره الدين وأهله، ويحمل فكرًا شاذًّا، سهرات وحفلات مع أصحاب سوء مع دخان وشيشة، حتى وصلت حالي إلى الضرب والشتائم".

 

ويقول آخر: "لقد أتعبتني زوجتي بطلباتها وأرهقتني بالديون، كل هذا حتى تكون مثل المشهورات، وتكون أفضل من زميلاتها، ملاحقة للموضة ومتابعة للسنابات، تمنعني حقي الشرعي بالأسابيع؛ خوفًا على شعرها وجمالها، أو إحراجًا من صديقاتها وأهلها، أو طمعًا في زيادة النفقة عليها، ولو كان ذلك بالديون وسؤال الناس، أصبحت حياتنا لا تُطاق، من صراخ وشتائم وعناد ونكران للجميل".

 

جاء عن الحسن رضي الله عنه أن رجلًا أتاه، فقال: إن لي بنتًا أحبها وقد خطبها غير واحد، فمن تشير عليَّ أن أزوِّجها؟ قال: زوِّجها رجلًا يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.

 

قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتاكم من ترضَون دينه وخُلُقه فزوجوه))، وفي الحديث جمع بين الدين؛ وهي العبادات، وبين الخلق؛ وهي المعاملات.

 

فيا بني ويا بنتي، لَأن يتأخر الزواج خير من دماره وخرابه وفساده، ولأن يتأخر الزواج خير من عجلة أورثت ندمًا، ولأن تكون البنت في بيت والدها معززة مكرمة خير من أن تعيش مع رجل تكون معه مظلومة ومقهورة ومهانة.

 

لكن بالمقابل ترى كثيرًا من الشباب والفتيات يبالغون في الصفات المرغوبة لديهم، وكأنهم يريدون ثوبًا مفصلًا مناسبًا لأذواقهم، دون خلل أو نقص، حتى يتقدم بهم العمر، فيبدؤوا بتقديم تنازلاتهم ليوافقوا بعد ذلك على أي شخص يتقدم، سواء كان صالحًا أو فاسدًا، وهنا تبدأ رحلة من المعاناة والقصص الأليمة.

 

فلا إفراط ولا تفريط في الصفات والشروط المطلوبة، وليعلم كلٌّ من الزوجين أنه يستطيع إكمال الآخر والتعاون فيما بينهما في التربية والحياة السعيدة.

 

رجل كان شرطه الأول الجمال، مهما كانت أخلاقها، ونسِيَ جمال الأخلاق مع جمال الشكل، فالجمال الظاهر قد يذهب لأي سبب من أسباب الدنيا، وهو أمر نسبي تختلف عليها الأذواق، يقول: حياتي معها بين صراخ وهمٍّ وتوتر، نصبح على مشكلة ونمسي على بلاء.

 

وأخرى كان شرطها الثراء مهما كانت أخلاقه، حتى جاءها الغني الثري، تقول: وفي أول ليلة من زواجها، دخل عليها وهو سكران، لا يعرف بما يهذي ويقول، فعرفت من هذيانه سوء سريرته وخلقه، ومع مرور الأيام تطلقت، ثم تزوجت برجل في عمر والدها.

 

فيا ابني ويا ابنتي... تعرف على شريك حياتك وعن شخصيته ودينه وخُلُقه، واطلب بمن تثق فيه أن يساعدك، فلعلك تجد من الصفات ما يرغبك فيه أكثر وأكثر.

 

الحرص على السؤال عن أسرة الشريك الآخر؛ لأنه يتأثر بعاداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم مع الناس، وتذكر أن هذه الأسرة ستكون بيتك الثاني وبيت أولادك؛ فاحرص على انتقائه.

 

احرص على موافقة والديك عن الشريك الآخر؛ لأن الرفض سيُولد لكما مشاكل كبيرة معهما، فقد تخسر والديك أو إخوانك بسبب ارتباطك بهذا الشريك، عوضًا عن المشاكل اليومية بين العائلتين، وقد تصل إلى الانفصال الجسدي أو العاطفي بينهما.

 

كن واضحًا في الأمور المادية والنفقة، سواء كان من الزوج في وظيفته ودخله الشهري، ولا تدعي ما لا تملكه، أو من جانب الزوجة عندما تكون موظفة ومدى مساعدتها لزوجها.

 

أسأل الله أن يديم الفرح والسعادة على أبنائنا وبناتنا، وأن يؤلف بين كل متزوجين، وأن يصلح بين كل متخاصمين.

الروتين الزوجي

 


 

الروتين هو تكرار نفس العمل يوميًّا، سواء في أكل الوجبات أو لبس نفس الملابس أو مشاهدة نفس البرامج أو الذَّهاب إلى نفس الأماكن؛ مما يجعل الحياة الزوجية في حالة ملل وكدر، ويُسمَّى الروتين عند بعض المتخصصين القاتل الصامت للعلاقة الزوجية، فحين يحلُّ كالضيف الثقيل على الحياة الزوجية يُحوِّلها إلى علاقة آلية، لتصبح بمرور الوقت عبارة عن رواية مأساويَّة بطلها رجلٌ باردُ المشاعر أو امرأةٌ منطويةٌ على أعمالها المنزلية.

 

تقول فتاة: زوجي قتل الأنوثة والسعادة بداخلي، فأصبحت أيامي شبيهةً بعضها ببعض، لا شيء جديد مع الروتين المُميت، ويقول آخر: زوجتي قضَتْ على كلِّ شيء مُتجدِّد في حياتي، فهي مشغولة بالمنزل وتربية الأولاد، لا جديد في حياتنا.

 

إن تجربة الإحساس بالفتور الزوجي والروتين اليومي، التي تُعَدُّ من الأحاسيس النفسية الصعبة التي تشوب العلاقة بين الزوجين، قد تؤثر بشكل أعمق على نفسية الزوجين خاصة إن كانا في بداية حياتهما الزوجية، فالمرأة- من وجهة نظرها- ترى أن زوجها قد تغيَّر عليها، ولم يَعُدْ يُحبُّها مثل فترة الخطوبة، لتبدأ تطاردها الهواجس والوساوس، وينتابها الإحساس بالإحباط والفشل المرتقب؛ بسبب اختفاء كلمات الحب والغرام والعبارات العاطفية والمجاملة.

 

ويعود السبب في فتور العلاقة الزوجية إلى عدة أسباب منها:

 كثرة استعمال مواقع التواصُل الاجتماعي بما تحويه من لقطات كاذبة ومزيَّفة تُصوِّر لنا علاقات عاطفية مثالية وهميَّة، ليبدأ أحد الطرفين بمقارنة حياته وعلاقته مع شريك حياته، بحياة هؤلاء المشهورين فتنتابه الحسرة والألم.

 

 وجود فارق كبير في السِّنِّ بين الزوج والزوجة، بحيث يشعر الزوج أنه كبر على عدة أمور لا تزال مُفضَّلة عند المرأة؛ مما يجعلها تمَلُّ من زوجها.

 

 اختلاف المستوى الثقافي والفكري بين الزوجين؛ مما يؤدي إلى تأزُّم الحوار بينهما، ثم نفور كُلٍّ منهما من الآخر، والتزام الصمت في أغلب الأحيان.

 

 انشغال كل طرف بمسؤولياته المتكررة؛ فالرجل مُنْهمكٌ في عمله بغرض تأمين الحاجات المادية للأسرة، والمرأة منغمسةٌ في رعاية شؤون الأسرة التي تزداد بازدياد عدد الأطفال، معتقدة أنهم أوْلَى بذلك من الزوج الذي قد يدخل في طيِّ النسيان؛ مما يجعلهما يعيشان وكأنَّ كُلًّا منهما غريبٌ عن الآخر، ويجعل كل واحد منهما يعيش في حالة من البرود والنفور تجاه الطرف الآخر.

 

 النكد الزوجي من أحد الطرفين، واختلاقه المتكرر للمشاكل داخل الأسرة؛ مما يجعل الطرف الآخر يبتعد عن الأسرة نفسيًّا وجسديًّا.

 

وليست المشكلة في الإحساس بالفتور والمَلَل الزوجي؛ وإنما تبقى الإشكالية في عدم قدرة البعض على التغلُّب على هذا المَلَل الذي يضرب الحياة الزوجية فيَصِل بها إلى هاوية الطلاق أحيانًا، وللتغلُّب على الفتور الزوجي وكسر الروتين بينهما أقترح لكم هذه الطرق:

الهواية المشتركة: إن مشاركة الزوجين في تجربة هواية مشتركة، طريقة رائعة للترابُط وخلق ذكريات فريدة من نوعها، ومِنْ ثَمَّ قضاء أطول فترة ممكنة سويًّا وكسر الروتين الطاغي بينهما.

 

التنزُّه أو السفريُعتبَر الخروج من المنزل أو السفر خارج المدينة وتغيير الجوِّ من أهم الأعمال التي تكسر الروتين المعتاد والمنغِّصات اليومية؛ لذا من الجيد اختيار المكان والوقت المناسب الذي يخلق لهما ذكريات مشتركة، مع مراعاة التخطيط الجيد خاصة في الأمور المادية.

 

التواصُل الجسدي: يمكن للَمْسة حانية بسيطة أن تُغيِّر مزاج شريك الحياة، فالاتصال الجسدي لديه تأثير عاطفي كبير؛ لذا من المُهِمِّ الحفاظ على العلاقة الحميمة والعاطفية من أجل استقرار الزواج.

 

إبعاد الأجهزة الإلكترونية: فالأجهزة الذكية جعلَتْ لكُلِّ طرفٍ عالَمَه الخاصَّ؛ مما فرضت الرتابة والمَلَل والفتور في الحياة الزوجية.

 

المبادرة المفاجئة: من الجميل أن يُبادر أحد الزوجين بأخذ زمام المبادرة لدعوة الشريك إلى جلسة ليست ككُلِّ الجلسات؛ كقضاء ليلة في فندق أو الذَّهاب إلى أحد المطاعم أو شراء هدية رمزية أو جلسة شواء أو مشاهدة برنامج يُحِبُّه الجميع.

 

الثناء على الشريك الآخر ومدحه بالكلام اللطيف على ما يقوم به من أعماله اليومية.

 

أسأل الله أن يُصلِح الشباب والفتيات، وأن يجمع بين قلوب المتزوجين والمتزوجات على طاعة الله والحب والتواصُل السليم، وأن يخرج من تحت أيديهم من يَعبُد اللهَ على الحقِّ، وأن يجعل أولادهم لَبِناتِ خيرٍ على المجتمع والوطن، وصلى الله على سيِّدنا محمد.

أهل الزوج والزوجة

    مِن نِعَمِ الله على عباده الزواج، وهو سببٌ في تكوين أسرة متماسكة وصالحة، تحرص على تربية الأبناء والبنات، والعناية بهم وتعليمهم، وبناء ال...