الأربعاء، 17 يونيو 2026

الأسرة والصلاة

 


 

الصلاة عماد الدين، وفريضة رب العالمين، مَن حافظ عليها، كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة يوم القيامة، والأسرة المباركة التي تحب الله ورسوله، وتحب أن تسعد نفسها وأولادها، تحافظ على هذه الصلاة، وتحث أولادها عليها، تعلمهم وتربيهم وتنشئهم عليها، وتصبر وتحتسب الأجر في تفقُّد أولادها، ومتابعتهم على أدائها.

 

إن الأولاد إذا تعوَّدوا على الصلاة منذ نعومة أظفارهم، سهلت عليهم وألِفُوها وخفَّت أقدامهم في السير إليها، أما إذا عاش الأولاد على إهمال الصلاة، أو ترك الصلاة في المسجد، أو تأخيرها عن وقتها، أو نشئوا في أسرة لا تقيم لها وزنًا، عَسِرَ على وليِّهم ومربيهم بعد كِبَرِهم على فعلها، وصَعُبَ عليهم بعد ذلك القيام إليها، وثقُلت عليهم المحافظة عليها.

 

كان من وصايا لُقْمان الحكيم لابنه أن قال كما جاء في كتاب الله: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17]، والله سبحانه أمر خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم؛ فقال سبحانه: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132].

 

شاب يجلس في سيارته بجانب أحد المحلات، وصوت المسجد يصدح بالأذان، توجه إليه أحد المارة وقال له: ألا تنزل معنا وتصلي؟ طأطأ رأسه وقال: إن شاء الله يا عم، فرد عليه: هل تنتظر أحدًا؟ قال: لا ولكن، قال: ماذا؟ قال: أنا لا أصلي.

 

وأخرى تشتكي من والدها، من قسوته معها؛ من الضرب، واللسان السليط، والإهانات، ومن أم مهملة لا تعرف إلا نفسها، وأثناء الحديث معها، علمت أنها لا تصلي، وعندما سألتها عن السبب، قالت: بسبب أبي وأمي.

 

وهل هذا عذر نلقى الله به؟ صحيح أن المشاكل الأسرية لها أثر كبير على نفسية الأولاد، لكنها ليست سببًا لدخول النار.

 

إنها مشاهد تحتاج منا إلى وقفات، فيا ابني... ويا ابنتي...

 

إذا ضاق الصدر، وصعب الأمر، وكثرت المشاكل، وإذا أظلمت في وجهك الأيام، واختلفت الليالي، وتغير الأصحاب، فعليك بالصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((يا بلال، أقِمِ الصلاة؛ أرِحْنا بها)).

 

إن من أعظم النعم على المسلمين هذه الصلوات الخمس كل يوم وليلة؛ فهي كفارة لذنوبنا، ورفع لدرجتنا عند ربنا، ثم إنها علاج عظيم لمآسينا، ودواء ناجع لأمراضنا؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

 

يا أولادي... احذروا كل الحذر من التهاون فيها، أو تأخيرها عن وقتها، أو تأديتها مجاملة، أو خوفًا من أحد، فهذا استهزاء بالله وخداع للنفس؛ وقد قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5]، هذا لمن أخرها فكيف بمن تركها؟! فاتقوا الله؛ عسى أن تتداركنا منه رحمة، وتنالنا منه مغفرة.

 

أسأل الله أن يجعلنا من المحافظين على الصلاة، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالطاعة والعمل الصالح، وحسن الخلق، وأن يصلح لنا ولكم الذرية، وصلى الله على سيدنا محمد.


الأسرة وإدمان مواقع التواصل

 


 

تُعدُّ وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الحاضر ذات أهميَّة كبيرة في حياة الكثير من الأشخاص، وعلى الرغم ممَّا تتمتع به من مزايا وإيجابيَّات، كتوسيع لدائرة المعارف والعلاقات، وصقل الفكر والشخصية، والاطلاع على الثقافات العامة للبلدان، وتبادل الخبرات والمهارات، فإنها جعلت العديد من مستخدميها في حالة إدمان دائم، وأدت إلى استخدام الهواتف الذكيَّة والأجهزة الإلكترونية لوقت طويل جدًّا دون الشعور بذلك، الأمر الذي أثَّر سلبًا في الحياة الزوجية.

 

تقول هند وهي مطلقة منذ سنتين وأم لثلاثة أطفال: "مواقع التواصل الاجتماعي دمرت بيتي، أثناء انشغالي بتربية أولادي وأعمال المنزل، كان زوجي منهمكًا بمواقع التواصل الاجتماعي التي سهَّلت له إقامة علاقات عاطفية مجهولة، وإهماله لي ولأولاده، وكانت النتيجة شرخًا كبيرًا في العلاقة الأسرية".

 

ويقول باسم: "إن مواقع التواصل أدت إلى تعاستي وخراب بيتي؛ حيث إن زوجتي كانت مدمنة على هذه المواقع مما جعلها تهمل زوجها وتربية أولادها وشؤون المنزل، وقد حذرتها أكثر من مرة، ولكنها تمادت في الانخراط والانشغال بمواقع التواصل، وأخيرًا حينما وجدت نفسي محاصرًا بالمشاكل ألقيتُ عليها ورقة الطلاق".

 

إن إدمان مواقع التواصل الاجتماعي من قِبل الزوجين أو أحدهما له أسباب عدة؛ منها:

أن كلًّا من الزوجين لديه مخزون هائل من التعبيرات والعواطف التي يرغب أن يبوح بها لشريك حياته، إلا أن الانفصال النفسي بينهما جعل تلك التعبيرات تذهب للغير في مواقع التواصل، أو يكون حبيسًا في النفس.

 

الخيال الزائف في نفس أحدهما تجاه الآخر، مما يجعله يتوقع أن يكون الطرف الآخر رومانسيًّا مثلما يشاهده في المسلسلات أو القصص الخيالية؛ لذا تجعله يهرب من شريك حياته إلى مواقع التواصل، ليفرغ عواطفه مع مجتمع آخر.

 

انعدام الوئام والأُلفة بين الزوجين؛ وذلك لعدم محبة أحد الزوجين للآخر، أو لوجود البغض من كليهما بسبب سوء الخلق عند أحدهما، أو ظلم أحدهما للآخر وعدم الإنصاف له، أو عدم السمع والطاعة للزوج بالمعروف.

 

وقوع أحد الزوجين في المعاصي والمنكرات؛ كتعاطي المسكرات أو غير ذلك من أنواع المحرمات؛ مما يؤدي إلى سوء الحال بين الزوجين.

 

عدم اعتناء المرأة بالنظافة والتزيين للزوج باللباس الجميل، والرائحة العطرة، والكلام الطيب عند اللقاء والاجتماع بينهما؛ ما يسبب نفور الزوج من زوجته.

 

ولعلاج مثل هذه المشكلة أنصح بالآتي:

تعلم المهارات الأساسية في تنمية الحب بين الزوجين؛ كالتحدث بلطف، واحترام شخصية الآخر، والتعاون معًا في تربية الأولاد، واتخاذ القرارات معًا.

 

التوقف عن العدائية في الحوار، ففي حال اختلاف وجهات النظر، يسعى كل طرف إلى إثبات وجهة نظره، وأنه على حق وغيره على باطل.

 

تحديد وقت مناسب للخروج والتنزه مع الأسرة، مع الحرص على التخطيط المسبق والجيد لمثل هذه الطلعات.

 

الابتعاد عن متابعة المشاهير والحلم بأن يكون مثلهم، مع علمهما المسبق وقناعتهما ما يعيشه المشهور من مشكلات أسرية وأخلاقية واجتماعية.

 

الابتعاد عن التظاهر أمام الناس بأنه يعيش علاقة زوجية مثالية مليئة بالحب، وخالية من التحديات اليومية، مما يجعله في صراع نفسي ومع الشريك الآخر.

 

الحرص على علاج المشكلات الأسرية، والجلوس مع الطرف الآخر، أو الاستعانة بصديق يصلح بينهما.

 

أغلق جميع الإشعارات التي تأتي من التطبيقات، وامسح التطبيقات التي تجعلك تدمن عليها، ثم حدد الوقت المناسب لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

 

تذكر دائمًا أن الله يراك ويراقبك، فلا تجعله أهون الناظرين إليك، واستعن به على أن يعينك على ترك الإدمان والنظر للمحرمات.

 

أخيرًا انظر إلى حالك وحال أسرتك، هل أنت راضٍ بما وصلت إليه علاقتك مع شريك حياتك، ومع أولادك؟ ابدأ الآن، واترك أسباب الإدمان، وعُدْ إلى بيتك وأسرتك.

 

أسأل الله أن يصلح الشباب والفتيات، وأن يجمع بين قلوب المتزوجين والمتزوجات على طاعة الله والحب والتواصل السليم، وأن يخرج من تحت أيديهم من يعبد الله على الحق، وأن يجعل أولادهم لبِناتِ خيرٍ على المجتمع والوطن، وصلى الله على سيدنا محمد.


الاحتقار بين الزوجين

 


 

الاحتقار هو ازدراء شريك الحياة بالقول أو بالفعل أو بالحركات، وإشعاره بالدونية سواء في شكله أو لفظه أو فعله، وأنك تعرف وتفهم أفضل منه، مما يجعل كلا الطرفين يبتعدان، ويشعران بالجفاء العاطفي، ومما يفتح باب الصراع النفسي واللفظي بينهما، وكلما زاد الاحتقار، قلَّ اهتمام الطرفين بعضهما ببعض.

 

قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].

 

تقول هدى: زوجي يحتقرني ولا يعطيني أي قيمة، حاولت أن أرضيه بكل الطرق، ولكن بدون جدوى؛ إنه أناني، ولا يعترف بخطئه، لا يحترمني وينعتني بكلمات سيئة تجرحني في أعماقي، وجرحها لن يشفى أبدًا، يشك بي وبتصرفاتي، ولا يعامل عائلتي معاملة جيدة.

 

ويقول حاتم: أنا شاب أعمل في قطاع حكومي، تزوجت قبل ٦ أشهر من فتاة ذات جمال وعائلة مرموقة، ومنفتحة فكريًّا، وحاصلة على شهادة عليا، بعد الزواج بدأت مشاكلي معها؛ حيث إنها تنتقدني في كل تصرفاتي؛ في طريقة أكلي وشربي وكلامي، أشعر أنها لا تحترمني، وتتلفظ لي بكلمات سيئة، وتكلمني بأسلوب غير لائق؛ مما يجعلني أشعر بالاحتقار الذاتي، وتُشعِرني أنها أفضل مني، وأنها على علم ومعرفة أكثر مني، وتتعالى عليَّ في الجدال، رغم أني لطيف معها، وأقوم بطلباتها على أكمل وجه، ولا أقصر معها في شيء.

 

جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ، قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ))؛ [رواه مسلم].

 

وللسخرية والاحتقار أثره السلبي على الحياة الزوجية؛ ومن هذه التأثيرات:

قلة الاحترام من الطرفين، فالمحتقر يشعر أن الطرف الآخر لا يحترمه ولا يقدره، وأنه أقل من غيره، وخاصة عندما يكون الاحتقار أمام الآخرين.

 

الابتعاد عن الطرف الآخر نفسيًّا وسلوكيًّا وعاطفيًّا، والشعور بالجفاء معه، والهروب منه إلى غيره، بل يجد السعادة في البعد عنه والجلوس مع غيره.

 

كثرة المشاجرات، وزيادة التوتر في العلاقات؛ بسبب الكلمات الجارحة والعبارات المستفزة.

 

وللتخلص من الاحتقار والانتقاد والسخرية؛ على الزوجين الآتي:

إدراك مخاطر الاحتقار والسخرية على الطرف الآخر؛ فالسخرية ليست شيئًا مضحكًا، إنه أسلوب مدمر للعلاقة الزوجية، فالكلمة السيئة تعطي طاقة سلبية للطرف الآخر تؤثر على سلوكه وشكله، ودقات قلبه وضغطه وتنفسه.

 

ضع نفسك مكان الطرف الآخر، هل ترضى أن يحتقرك أحد أو يسخر منك؟ فإن الناس لا يرضَون لأنفسهم ذلك.

 

انتقاء الكلمات والعبارات الجميلة والهادئة، وبحكمة بالغة أثناء الحوار.

 

ابتعد عن الحوار أثناء الغضب والتوتر، وعالج الموقف في وقت آخر، حتى تهدأ نفسيتك، وتستطيع امتلاك عباراتك وألفاظك.

 

عند حدوث الخلاف ابتعد عن التفكير السلبي، ولا تستدعِ المواقف والأحداث القديمة السيئة، وإنما تذكر حسنات ومواقف الطرف الآخر الإيجابية، فكل منا له حسناته وسلبياته.

 

عبِّرْ عن غضبك بانتقاد السلوك والتصرف، وليس انتقاد الشخص ذاته، فلا تقلل من قيمته أو تحتقر شكله وفكره وعائلته، وإنما السلوك فقط؛ كأن تقول: (أنا لا يعجبني هذا التصرف، أنا لا أحب هذا الفعل).

 

تذكر عقوبة الاحتقار والاستهزاء بالآخرين، وأن الله نهى عن ذلك؛ جاء في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بحَسْب امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم)).

 

أسأل الله أن يصلح الشباب والفتيات، وأن يجمع بين قلوب المتزوجين والمتزوجات على طاعة الله والحب والتواصل السليم، وأن يخرج من تحت أيديهم من يعبد الله على الحق، وأن يجعل أولادهم لَبِنات خيرٍ على المجتمع والوطن، وصلى الله على سيدنا محمد.


الأسرة والصلاة

    الصلاة عماد الدين، وفريضة رب العالمين، مَن حافظ عليها، كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورًا ولا...