الخميس، 2 سبتمبر 2021

 

الرجل المُبارك

هو رجل تَهتف لَهُ الألسنة بِالثناء، وترتفع لَهُ الأكف بِالدعاء ، فهو مباركا فِي علمه، وعمله، وعمره، وماله، وَأسرته، وبقية شؤون حياته ، يقول عِيسَى -عَليْهِ السَّلامُ -عَن نفسه: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ) [مَرْيَمَ:31] .

وهنا نبحث متى يكون الرجل مباركاً في بيته ومع أسرته ؟ حتى تكون حياة الأسرة سعيدة قائمة على التقوى والتعاون، ولتدوم المحبَّة والألفة بين الجميع ، وحُسن العِشرة، وليدوم الصفاء والنقاء، الذي لا تشوبه شائبة .

سؤال يبحث عن جوابه كثير من الرجال والنساء والأولاد ، فهل من جواب ؟

البيت عرين الرجل ومأواه, وهو سيده وصاحبه وآمره وناهيه, وهذه السيادة لا تكون إلا بالرحمة والعدل والمودة ، قال -تعالى -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].

وحتى يكون الرجل مباركاَ في بيته وأسرته عليه بإكرام أهله وحسن معاشرتهم ومعاملتهم بالمعروف ، والرفق والإحسان بهم، قال – عليه الصلاة والسلام -: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) .

ومن بركة الرجل في بيته حثهم على طاعة الله وتعليمهم شرعه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

وتزداد بركته عندما يغضَّ الطرف عن بعض أخطاء بيته، ما لم يكن فيه إخلال بشرع الله، وهذا يكون من خلال الموازنة بين حسناتهم وسيئاتهم، فإن رأى منهم ما يكره؛ فليتذكر ما يرى منهم ما يعجبه ويحبه ، وإلى هذا يشير النبي – صلى الله عليه وسلم بقوله : ((لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا، رضي منها خلقًا آخر)) .

ومن البركة أن يجلس مع أهل بيته يحدثهم ويحدثونه ويستمع إليهم بحب وشوق ، فهذا النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يجلس مستمعًا إلى أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – عندما كانت تقص عليه حديث النسوة اللاتي جلسن وتعاقدن على ألا يكتمن من خبر أزواجهن شيئًا – وهو حديث أم زرع المعروف – وهو حديث طويل، ومع ذلك لم يمل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من عائشة وهي تحدِّثه؛ والحديث عند البخاري ومسلم.

ومن البركة اللعب واللهو والسفر والتلطف معهم وليكن لنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الأسوة الحسنة في ذلك؛ فقد حدثت السيدة عائشة أم المؤمنين، قالت: “كنت ألعب بالبنات عند النبي – صلى الله عليه وسلم – وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل ينقمعن منه فيسرِّبهن إليَّ فيلعبن معي”

ومن البركة حسن الظن والثقة بهم مالم يرى سوءا واضحاً يتطلب فيه التدخل والعلاج ، فإن سوء الظن يبعث على الحقد والضغينة والهجر بين أفراد الأسرة ، والعاقل لا يسلم نفسه وسمعه لأقوال السوء في أسرته ، وهذا تطبيقًا لقوله – تعالى -: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 12].

وقال – تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾ [الحجرات: 12].

ومن البركة النفقة والكسوة والسكن بالمعروف وهذه النفقة واجبة على الزوج بالكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]

ومن البركة أن يكون كريما بعواطفه وأخلاقه ونبله وليس فقط في ماله.. والزوجة تحب الرجل الذي يحترمها أمام أهله وأهلها، يحترمها في البيت أمام أولادها، يحترم آراءها، وأفكارها، لا يسخر من طموحاتها أو حماستها.

والمبارك من يتطلع دوماً إلى تحسين وضعه المادي والتعليمي على أن لا ينسيه طموحه زوجته وأولاده ، فلا يعلو وحيداً ويتركهم بعيداً عنه، بل يأخذهم معه في علوه.. ليتقدموا سوياً نحو الأفضل، يدفعهم هدف مشترك يودون الوصول إليه معاً.

ومن البركة الابتعاد عن سرعة الغضب ، فالرجل المبارك يستوعب زوجته وأولاده ويتفهم طبيعتهم، ينقب عن مواطن الدفء والعاطفة داخلهم، يتأنى في التعامل مع المشكلات التي تواجهه معهم، فكم من البيوت تهدمت ووصلت إلى طريق مسدود بسبب عصبية الرجل.

وفي الختام … لنتذكر معيار خيرية الرجال الذي وضعه صلى الله عليه وسلم في حسن عشرة الزوجات : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلي» .

ومن حُسن عشرته -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يدخل بيته دخل من طرفي الباب إمَّا يمينًا وإما شمالًا، ولا يدخل من وجه الباب؛ يتخون أهله، فإذا دخل بيته مَلَك قلوب أزواجه بالعطف والإحسان والرحمة والحنان.

فإذا قُدِّم له طعام إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وما عاب طعامًا قط، ولا سبَّ امرأة ولا شتمها، ففي صحيح مسلم :«مَا ضَرَبَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . وكان صلى الله عليه وسلم يُكرم ولا يهين، يُوجِّه وينصح، لا يعنِّف ويَجْرَح ، وكان يخدم نفسه ويُعين أهله ويساعدهم في أمورهم، ويكون في حاجاتهم؛ كما تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ».

فيا رجال … هل نحن مباركون في بيوتنا ؟ وهل نعي معنى البركة ؟ وهل نسعى لتحقيقها في بيوتنا ؟ هل نحن جديرون بالخيرية التي ذكرها صلى الله عليه وسلم ؟

أسأل الله العظيم أن يديم علينا وعلى أمتنا ومجتمعاتنا وأهلنا الخير والبركة ويصرف عنا جميعا الحقد والبغضاء وسوء الأخلاق .


المستشار الأسري بجمعية التنمية الأسرية
والمشرف التربوي بإدارة تعليم الأحساء

Adnan6543@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفات الزوجة الصالحة

  إن الأسرة والبيت الذي أكرَمه الله تعالى بزوجة وأم صالحة، تعرف حدود الله وحقوق زوجها، لا شك أنه سيكون أسعد البيوت وأنجحها، فقد جاء في الحدي...